درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٧


شماره جلسه : ۶۷

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • مبنى السيّد البروجردي: الفارق في «المكلّف به» لا «المكلّف»

  • الإشكالات الثلاثة للأستاذ الوحيد الخراساني على مبنى المحقّق البروجردي

  • تقييم الإشكال الأوّل: النقض بالواجب التخييري

  • الجواب عن الإشكال الثاني: الخلط بين التكوين والتشريع وسوء فهم محلّ التقييد

  • الجواب عن الإشكال الثالث: إمكان الجمع بين وحدة الغرض وتعدّد الوجوب

  • الثمرة المترتّبة: جريان أصالة الإطلاق عند الشكّ

  • نظريّة الإمام الخميني في تقسيمات الواجب الكفائي

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

استعرضنا في البحث السابق المسلكين اللذين طرحهما المحقّق النائيني (قُدّس سرّه) في تصوير حقيقة الواجب الكفائي، وموقع مبنى السيّد الخوئي (رحمه الله) منهما تبنّياً ونقداً. ففي «فوائد الأصول»، ذهب الميرزا إلى أنّ الخطاب في الواجب الكفائي متوجّه إلى «جميع الآحاد والأشخاص على وجه البدليّة». وهذا يعني أنّ الوجوب مجعولٌ على ذمّة كلّ مكلّف، إلا أنَّ كلّ فردٍ يُعدّ «بدلاً» عن الآخر في مقام الامتثال. وبناءً على هذا التحليل، لو تواطأ الجميع على الترك، لصدق على كلّ واحد منهم أنّه ترك الواجب «لا إلى بدل»، فيكون الجميع عصاةً. ولو قاموا بالامتثال دفعةً واحدة، فقد أتى كلّ واحدٍ منهم بالمأمور به، ويستحقّون الثواب جميعاً. فالمكلّف - بحسب هذا التصوير - هو العموم، ولكن لا بنحو الاستقلال كما في الواجب العيني، بل بنحو البدليّة. وأمّا في «أجود التقريرات»، فقد عدل المحقّق النائيني عن ذلك، وبنى تصويره على توجيه الوجوب نحو «صرف وجود المكلّف»، أي أنّ التكليف متوجّه إلى «واحدٍ لا بعينه» (أحد المكلّفين لا بعينه). وملاك التفرقة - عنده - يكمن في الغرض. فإن تعلّق الغرض بصدور الفعل من «مطلق وجود المكلّفين» كان الوجوب عينيّاً، وإن تعلّق بصدوره من «صرف الوجود» كان كفائيّاً. وحينئذٍ، وبمجرّد فعل أحدهم، يتحقّق الغرض، ولا يبقى مجال لامتثال الآخرين لانتفاء الموضوع (وهو الواجب اللزومي). وقد ارتضى السيّد الخوئي هذا المسلك (مسلك الأجود) وعدّه التصوير الفنيّ الصحيح، مقايساً إيّاه بالواجب التخييري، بفارق أنّ «الواحد لا بعينه» في التخييري مصبّه المتعلَّق، وفي الكفائي مصبّه الموضوع (المكلّف). ويرد على هذا المبنى - ولا سيّما في مثل الصلاة على الميّت حيث تتعدّد الأفعال والامتثالات المستقلّة - أنّ إرجاع الواجب إلى «صرف وجود المكلّف» قاصرٌ عن تفسير «امتثال الجميع» واستحقاقهم لتعدّد الثواب؛ إذ إنّ صرف الوجود يتحقّق بأوّل وجود، والوجودات المتأخّرة عنه رتبةً (أو المقارنة له) تُعدّ لغواً، مع أنّ المرتكز العرفي يراها امتثالاً للوجوب نفسه. مضافاً إلى أنّ حمل «صرف الوجود» على معناه الفنيّ الدقيّ (ناقض العدم أو اللابشرط القسمي) لا ينسجم مع مراد الميرزا، وحتى لو تنزّلنا إلى المعنى البسيط (مقابل مطلق الوجود)، فإنّ الإشكال العرفي والامتثالي يبقى قائماً. وفي قبال ذلك، نجد مسلك السيّد البروجردي (رحمه الله) - وجذوره في كلمات العلامة الحلّي - الذي يرى أنّ الفارق الجوهري بين الواجب العيني والكفائي يكمن في «المكلّف به» لا في «المكلّف». ففي العيني، أُخذ قيد الصدور من نفس المكلّف (قيد المباشرة) في المطلوب، أمّا في الكفائي فمطلوب الشارع هو «نفس طبيعة الفعل» من دون تقيّد بفاعل خاص. وعليه، فالوجوب ينحلّ استغراقيّاً على جميع المكلّفين، لكنّ المتعلّق في جميع الخطابات واحد. فإذا صدر الفعل من أيّ مكلّف كان، تحقّق الغرض الواحد، وسقط التكليف عن الباقين لحصول المطلوب، دون حاجة لتكلّف افتراض «مكلّف واحد لا بعينه».

مبنى السيّد البروجردي: الفارق في «المكلّف به» لا «المكلّف»

خلافاً للمشهور بين الأصوليين الذين التمسوا الفارق الجوهريّ بين الواجبين العيني والكفائي في ناحية «المكلّف»، فقد ذهب السيّد البروجردي (أعلى الله مقامه) إلى أنّ محور التمايز يكمن في «المكلّف به» وكيفيّة دخل قيد «المباشرة» في الغرض المولويّ. وقد قرّر هذا المبنى تلميذه المرحوم آية الله الفاضل اللنكراني بالبيان التالي:

إنّ الفرق بين الواجب العيني والواجب الكفائي يرتبط بالمكلّف به. ففي الواجب الكفائي لا مدخليّة لقيد المباشرة، بخلاف الواجب العيني حيث يكون لهذا القيد دخالة. فمثلاً قوله: (أقيموا الصلاة) المتكفّل لبيان الواجب العيني، مفاده: يجب عليكم أيّها المكلّفون جميعاً أن تأتوا بصلاة اليومية مباشرةً (بأنفسكم). وأمّا في قوله: (ادفنوا الميت المسلم) المتكفّل لبيان الواجب الكفائي، فلا مدخلية للمباشرة في المأمور به، وإن كان المكلّف بدفن الميت هو جميع أفراد المكلّفين.[1]

وتأسيساً على ذلك، يكون المطلوب في الواجب العيني هو «طبيعة الفعل مقيّدةً بصدورها من هذا الشخص»، أي أنّ لصدور الفعل من نفس هذا المكلّف دخلاً في الغرض. بينما المطلوب في الواجب الكفائي هو «نفس الطبيعة المطلقة غير المقيّدة بصدورها عن شخصٍ خاص»، بمعنى أنّه لا تفاوت من حيث الغرض بين صدور الفعل من هذا الفاعل أو ذاك، فالمهمّ هو تحقّق أصل الطبيعة في الخارج.

ومع ذلك، فإنّ التكليف في الواجب الكفائي يتوجّه بنحوٍ استغراقي إلى عهدة جميع المكلّفين. فالتكليف متوجّه إلى كلّ واحدٍ منهم مستقلاً، إلا أنّ المكلّف به في جميع هذه التكاليف المتعدّدة حقيقةٌ واحدة (وهي الطبيعة المطلقة). وهذه الوحدة في المكلّف به هي المنشأ لسقوط جميع التكاليف عند تحقّق امتثالٍ واحد. وعلى ضوء هذا التصوير لمبنى السيّد البروجردي، ننتقل الآن لاستعراض الإشكالات الثلاثة التي أوردها الأستاذ المعظّم آية الله الوحيد الخراساني (دام ظلّه) على هذا المبنى ومناقشتها.

الإشكالات الثلاثة للأستاذ الوحيد الخراساني على مبنى المحقّق البروجردي

وقد أورد شيخنا الأستاذ، آية الله الوحيد الخراساني (دام ظلّه) في كتابه (تحقيق الأصول) - ذيل بحث الواجب الكفائي - ثلاثة إشكالاتٍ جوهريّة على تقرير السيّد البروجردي، حيث صرّح قائلاً:

وجوه الإشكال...

الأوّل: النقضُ بالواجبِ التخييري، حيث ذهبَ إلى أنّ الواجبَ فيه هو الواحدُ المردَّد… فيُقال له: أيَّ فرقٍ بين ترديدِ المتعلّق و ترديدِ الموضوع‌؟ لوضوحِ وحدةِ المناط، و هو أنّ المردَّد لا وجودَ له، و ما كان كذلك فلا يقبلُ البعث… و الأحكامُ العقليّة لا تقبلُ التخصيص.

و الثاني: إنّه لا يُعقلُ تقييدُ المعلولِ بصدورهِ عن علّته، فالحرارةُ تصدرُ من النار، و إذا صدرت لا يُعقلُ تقييدها بالصّدور عن النار، بل إنّها تصدرُ عنها ثم تتّصفُ بالصّدور. فهذه مقدّمة. و مقدّمة أُخرى: إنّ الإرادةَ التشريعيةَ من المولى إنّما تتعلّقُ بما تتعلّقُ به الإرادةُ التكوينيةُ من العبد.

و بناءً على ما ذُكر يتّضح عدمُ إمكانِ اشتراطِ الواجبِ بصدورهِ عن إرادةِ المكلّف، لأنّ إرادته علّةٌ لتحقّقِ الواجب، فلو كان الواجبُ مشروطاً بصدورهِ عن إرادةِ المكلّف لزم اشتراطُ المرادِ بصدوره عن الإرادة، و هذا غيرُ معقول، فلا يُعقلُ تعلّقُ الإرادةِ التشريعيةِ به… و الحاصل: إنّ الإرادةَ تتعلّقُ بالصّلاة لا بالصّلاةِ الصادرةِ عن الإرادة…

فقولُه بأنّ الواجبَ العينيّ عبارةٌ عن الواجبِ المشروطِ بصدورهِ عن فاعلٍ خاص، يرجعُ إلى كونِ الصّلاةِ الواجبةِ على زيدٍ هي الصّلاةَ المقيَّدةَ بصدورها عن إرادته… و لمّا كان هذا المحقّقُ من القائلين بأنّ التقابلَ بين الإطلاقِ و التقييدِ من قبيلِ العدمِ و الملكة، فإنّه إذا استحالَ التقييدُ ـ كما ذكرنا ـ يستحيلُ الإطلاق. فما ذكره في تصويرِ الواجبِ الكفائي و فَرقِهِ عن العيني ساقط.

و الثالث: إنّ الغرضَ في الواجبِ الكفائي واحدٌ لا متعدِّد، و قد صرّحَ بذلك أيضاً، و مع وحدته يستحيلُ تعدُّدُ الواجب، فقوله بتعدُّدِ الوجوبِ على عددِ أفرادِ المكلّفين غيرُ صحيح.[2]

وتحقيقاً للمطلب، يمكن تلخيص هذه الإشكالات الثلاثة وصياغتها منهجيّاً كما يلي:

١- النقض بالواجب التخييري

وحاصله: إن كان الترديد في ناحية الموضوع (المكلّف) في الواجب الكفائي ممتنعاً عقلاً، لزم أن يكون الترديد في ناحية المتعلّق (الواجب التخييري) ممتنعاً أيضاً. وذلك لوحدة المناط العقلي، وهو أنّ «المردَّد لا وجود له في الخارج»، وما لا وجود له لا يصلح أن يكون متعلّقاً للبعث والتحريك. وحيث إنّ الأحكام العقليّة آبيةٌ عن التخصيص، فلا وجه للتفكيك بين الموردين.

٢- استحالة تقييد المعلول بصدوره عن علّته

وحاصله: إنّ تعريف الواجب العيني بأنّه «المقيّد بالصدور عن فاعل خاص» يؤول في التحليل الدقي إلى اشتراط الفعل (المطلوب) بصدوره عن إرادة المكلّف. وبما أنّ إرادة المكلّف هي العلّة التكوينيّة لتحقّق الفعل، فإنّ هذا الاشتراط يستلزم دوراً محالاً، أو جعل الشيء علّةً لنفسه؛ إذ يصير المطلوب متوقّفاً على صدوره عن الإرادة، والإرادة متوقّفة على المطلوب (بوصفها محرّكاً). وحيث إنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل «العدم والملكة»، فإنّ استحالة التقييد تستلزم عقلاً استحالة الإطلاق. وعليه، ينهار الركن الأساس الذي شيّد عليه السید البروجردي تفريقه بين الواجب العيني (المقيّد) والواجب الكفائي (المطلق).

٣- التنافي بين وحدة الغرض وتعدّد الوجوب

وحاصله: إنّ الغرض في الواجب الكفائي واحدٌ بلا ريب. ومع وحدة الغرض، لا يُعقل ثبوتاً تعدّد الوجوبات وانحلالها بعدد أفراد المكلّفين، لاستحالة صدور المعلول الواحد إلا من علة واحدة (أو انتهاء العلل المتعددة إلى مسبّب واحد شخصي). وعليه، فالقول بالوجوبات الاستغراقيّة المتعدّدة في الكفائي لا ينسجم مع وحدة الملاك والغرض. وفي ما يلي، نشرع في تقييم هذه الإشكالات والإجابة عنها بناءً على مبنى المحقّق البروجردي وما يقتضيه التحليل الفنيّ.

تقييم الإشكال الأوّل: النقض بالواجب التخييري

يرتكز الإشكال الأوّل على مصادرةٍ مفادُها أنّ المحقّق البروجردي (قُدّس سرّه) يلتزم في باب الواجب التخييري بتعلّق التكليف بـ «الواحد المردّد»، في حين أنّه بنى في الواجب الكفائي على استحالة ذلك. والتحقيق، أنّنا بالرجوع إلى الآثار الأصوليّة للمحقّق البروجردي - ولا سيّما (نهاية الأصول) - لا نجد بحثاً مستقلاً منقّحاً حول الواجب التخييري، كما لا نعثر على نصٍّ صريح يكشف عن تبنّيه لمقولة «الواحد المردّد» هناك. ومن هنا، فما لم يتمّ إحراز التزامه بهذا المبنى من صريح كلماته، فإنّ هذا النقض يظلّ - في واقعه - إشكالاً فرضيّاً (على نحو القضيّة الشرطيّة)، لا تناقضاً محرزاً في المنظومة الفكريّة للمحقّق.

وببيانٍ آخر، إنّ هذا الإشكال لا يتوجّه إلى صميم مبنى المحقّق البروجردي في الواجب الكفائي بقدر ما هو تنبيهٌ وتحذيرٌ من أنّه «لو» التزم في الواجب التخييري بمبنىً يُخالف نفيه لـ «الفرد المردّد»، لتعسّر الجمع بين الموردين. أمّا مع عدم إحراز ذلك المبنى، فلا ينهض الإشكالُ لتضعيف نظريّته في المقام. وعليه، فلا يُعدّ الإشكال الأوّل إشكالاً حاسماً في مقام إبطال مبنى المحقّق البروجردي.

الجواب عن الإشكال الثاني: الخلط بين التكوين والتشريع وسوء فهم محلّ التقييد

ارتكز الإشكال الثاني على مقدّمتين: الأولى، استحالة تقييد المعلول تكويناً بـ «صدوره عن علّته». والثانية، أنّ متعلّق الإرادة التشريعيّة للمولى هو بعينه متعلّق الإرادة التكوينيّة للعبد. وبناءً عليه، زُعم أنّ تعريف الواجب العيني بـ «الفعل المقيّد بصدوره عن فاعل خاص» يؤول إلى «المعلول المقيّد بصدوره عن علّته»، وهو محال. ومع فرض تقابل العدم والملكة، تسقط القسمة الثنائيّة بين العيني (المقيّد) والكفائي (المطلق). وفي مقام النقض على هذا الإشكال، نُثير ملاحظتين جوهريّتين:

١- عدم جواز سراية القواعد التكوينيّة إلى التشريع بلا واسطة

إنّ قياس الإرادة التشريعيّة للمولى على الإرادة التكوينيّة للعبد، وسحب قواعد العلّية والمعلوليّة التكوينيّة - بشكل مباشر - إلى فضاء التشريع الاعتباري، قياسٌ مع الفارق. فالبحث في التشريع يدور مدار كيفيّة «لحاظ الغرض» و«جعل البعث»، لا حول البنية العليّة القائمة بين الإرادة والفعل في العالم الخارجي. ومجرّد امتناع «أخذ الحرارة المقيّدة بصدورها عن النار» معلولاً للنار في التكوين، لا يستلزم امتناع أن يقول المولى في مقام التشريع: «إنّ غرضي لا يستوفى إلا بصدور هذه الطبيعة من هذا الشخص بخصوصه». فالتشابه اللفظي بين «الإرادة» في المقامين لا يسوّغ الخلط بين الأحكام الفلسفية والاعتبارية.

٢- محلّ التقييد في كلام المحقّق البروجردي: غرض المولى لا ذات فعل العبد

إنّ ما يرمي إليه المحقّق البروجردي ليس دعوى أنّ فعل العبد - بما هو معلول لإرادته - مقيّد بصدوره عن الإرادة، بل مراده أنّ غرض المولى في الواجب العيني قد لوحظ بنحوٍ تكون فيه خصوصية صدور الفعل من هذا الفاعل المحدّد دخيلةً في الملاك. بينما في الواجب الكفائي، يتعلّق الغرض بصرف تحقّق الطبيعة في الخارج، عارياً عن قيد الخصوصيّة الفاعليّة. وبعبارة أدقّ، إنّ موطن التقييد هو عالم الغرض والملاك، وهذا أجنبيّ تماماً عن مسألة «تقييد المعلول بعلّته» في التكوين. فالمكلّف حين يهمّ بالامتثال، إنّما يريد «الصلاة»، لا «الصلاة المقيّدة بصدورها عن إرادته»، ولم يقل المحقّق البروجردي بخلاف ذلك. إنّما النزاع في عالم الجعل: هل لاحظ المولى الغرض بحيث لا ينفكّ عن صدوره من زيد (العيني)، أم لاحظه بنحو اللابشرط بالنسبة للفاعل (الكفائي)؟ وعليه، فإنّ الاستحالة المدّعاة في عالم التكوين لا تنطبق على مدعى المحقّق البروجردي، ولا تسري إلى ساحتَي الجعل والاعتبار بهذا النحو. وبذلك يتّضح أنّ الإشكال الثاني - المبتني على هذا الخلط وسوء الفهم - لا يرد على المبنى المختار.

الجواب عن الإشكال الثالث: إمكان الجمع بين وحدة الغرض وتعدّد الوجوب

وأمّا الإشكال الثالث، فحصيلته دعوى الاستحالة في الجمع بين «وحدة الغرض» (حيث إنّ الغرض من تجهيز الميت هو الدفن، وهو واحد لا يتعدّد بتعدّد الأفراد) وبين «تعدّد الوجوب» بتعدّد المكلّفين. وقد استند المستشكل إلى أنّ المحقّق البروجردي نفسه قد أقرّ في مواضع أخرى بالملازمة بين تعدّد الوجوب وتعدّد الغرض، فكيف يلتزم هنا بالانفكاك بينهما؟ والتحقيق في الجواب يبتني على التمييز الدقيق الذي أسّسناه آنفاً حول دخالة المباشرة (الفاعل) في الغرض وعدمها.

أولاً، في موارد الواجب العيني، حيث يكون صدور الفعل من نفس المكلّف (المباشر) قيداً دخيلاً في الغرض المولوي، فإنّ جعل الوجوب بنحو الانحلال والاستغراق على جميع الأفراد يستلزم بالضرورة تعدّد الأغراض بتعدّد المكلّفين؛ إذ كلّ فعلٍ صادرٍ من مكلّفٍ يمثّل استيفاءً لملاكٍ مستقلّ يخصّه. وهنا تصحّ الملازمة بين تعدّد الوجوب وتعدّد الغرض.

ثانياً، أمّا في الواجب الكفائي، حيث لا خصوصيّة للفاعل، ويكون الغرض قائماً بـ «صرف وجود الطبيعة» بغضّ النظر عمّن صدرت منه (كأصل تحقق دفن الميت أو الصلاة عليه)، فإنّ الغرض واحدٌ نوعيّ. وفي هذا الفضاء، لا مانع ثبوتاً من توجيه الخطاب بنحو القضيّة الحقيقيّة المنحلّة إلى وجوبات استغراقيّة تستوعب ذمم جميع المكلّفين، فيكون «التكليف» متعدّداً بتعدّد الأفراد، و«المكلّف به» واحداً بالذات والاعتبار، ويكون هذا الواحد هو المحقّق للغرض الواحد.

وبعبارةٍ فنيّة أدقّ، إنّ التعدّد في الواجب الكفائي ملحوظٌ في ناحية «أشخاص المكلّفين» (من جهة انحلال الخطاب وتنجّزه على كلّ فرد)، بينما الوحدة ملحوظةٌ في ناحية «سنخ المطلوب» والغرض المترتّب عليه. وهذان اللحاظان قابلان للجمع في عالم الجعل والاعتبار ما دام الفاعل لا دخالة له في الملاك. وعليه، فإنّ دعوى الملازمة المطلقة بين «وحدة الغرض» و«وحدة الوجوب» غير تامّة؛ إذ هي صادقة فقط فيما إذا كان الفاعل مقوّماً للغرض (كما في العيني)، ولا تصدق فيما إذا كان الغرض متمحّضاً في أصل الفعل (كما في الكفائي). وبسقوط هذه الملازمة، يرتفع الإشكال الثالث، ويستقيم مبنى المحقّق البروجردي (قدّس سرّه) في تصوير الواجب الكفائي.

خاتمة المطاف في تقييم الإشكالات الثلاثة

وممّا تقدّم من البيانات التحليليّة، يتّضح جليّاً حال الإشكالات الثلاثة وموقعها من الصحّة. فالإشكال الأوّل (النقض بالواجب التخييري) قاصرٌ عن إحداث التهافت المدّعى، وذلك لعدم إحراز مبنىً مستقلّ للمحقّق البروجردي في باب الواجب التخييري يباين ما التزم به هاهنا، فيبقى الإشكال مجرّد فرضٍ لا واقع له. والإشكال الثاني مبتنٍ - كما أسلفنا - على قياس التشريع على التكوين، والخلط في تحديد «مصبّ التقييد» (باعتبار أنّه في غرض المولى لا في ذات الفعل)، ومعه فلا يرد الإشكال على صميم المبنى المختار. وأمّا الإشكال الثالث، فهو مندفعٌ بالتفكيك بين مقامي «دخل الفاعل في الغرض» و«عدمه»، وهو التفكيك الذي يصحّح - ثبوتاً - الجمع بين «تعدّد الوجوب» و«وحدة الغرض» في الواجب الكفائي. وعليه، فالنتيجة التي ننتهي إليها هي «أنّ شيئاً من هذه الإشكالات الثلاثة لا ينهضُ دليلاً قادحاً لإبطال مبنى المحقّق البروجردي (أعلى الله مقامه) في تبيين الفارق الجوهريّ بين الواجبين العيني والكفائي».

الثمرة المترتّبة: جريان أصالة الإطلاق عند الشكّ

وقد نبّه تلميذه المرحوم آية الله الفاضل اللنكراني (رضوان الله عليه) على ثمرةٍ عمليّة بالغة الأهميّة تترتّب على هذا المبنى، وتظهر جليّاً في مقام الشكّ ودوران الأمر بين العينيّة والكفائيّة، حيث تقودنا إلى نتيجةٍ تعاكس تماماً ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (صاحب الكفاية). فقد جاء في تقريراته ما محصّله:

إنّ كثيراً من الأعلام يرون أنّه إذا أُحرز أصل الوجوب وتردّد الأمر بين كونه عينيّاً أو كفائيّاً، فالمتعيّن هو الحمل على «الواجب الكفائي». ومستند هذا القول - بناءً على المسلك المختار (وهو الاحتمال الخامس في تصوير الواجب الكفائي) - يكمن في أنّ الواجب العيني يتقوّم بدخالة قيد «المباشرة» في الغرض، بينما الواجب الكفائي لا مدخليّة للمباشرة فيه. وعليه، فالشكّ في العينيّة والكفائيّة يرجع في واقعه إلى الشكّ في اعتبار «قيد المباشرة» وعدمه في المطلوب. ومن الواضح أنّ مقتضى أصالة الإطلاق في مثل هذا المورد هو نفي القيد المشكوك (المباشرة)، فتثبت بذلك الكفائيّة؛ لأنّ الكفائي هو الفاقد للقيد، والعيني هو المشتمل عليه.

وهذا التحليل يقف في مقابل ما قرّره المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في (الكفاية)، حيث ذهب إلى أنّ مقتضى أصالة الإطلاق هو الحمل على «العينيّة». وذلك انطلاقاً من تصوّره بأنّ العينيّة تمثّل الإطلاق (أي أنّ الوجوب ثابتٌ عليك سواء فعل الغير أم لا)، بينما الكفائيّة تشتمل على تقييد (أي أنّ الوجوب مشروط بعدم فعل الغير، أو يسقط بفعله). وقد ناقشنا مقالة الآخوند في محلّها وأثبتنا عدم كفاية أصالة الإطلاق لإثبات العينيّة من تلك الجهة.[3]

وخلاصة الثمرة أنّه بناءً على مسلك المشهور (والآخوند)، يكون الواجب العيني هو «المطلق» (بالنسبة لسقوط التكليف بفعل الغير)، والواجب الكفائي هو «المقيّد» (بقيد عدم فعل الغير). فمقتضى الإطلاق عند الشكّ هو العينيّة. وأمّا بناءً على مبنى المحقّق البروجردي، فإنّ الأمر ينعكس؛ إذ الواجب العيني هو «المقيّد» (بكون المكلّف به مشروطاً بصدوره عن نفس الفاعل)، والواجب الكفائي هو «المطلق» (لكون الغرض متعلّقاً بنفس الطبيعة بلا قيد المباشرة). فالشكّ يرجع إلى الشكّ في تقييد الغرض بفاعلٍ خاص، ومقتضى أصالة الإطلاق في ناحية الغرض والمكلّف به هو نفي هذا القيد، ممّا ينتج القول بالكفائيّة. وهكذا يتّضح كيف أنّ الاختلاف في محور التحليل (هل هو في المكلّف أم المكلّف به) يترك أثره المباشر والجوهري على النتيجة الأصوليّة في مقام الإثبات وإجراء أصالة الإطلاق.

نظريّة الإمام الخميني في تقسيمات الواجب الكفائي

وفي سياق تعميق البحث، طرح السيّد الإمام الخميني (قُدّس سرّه) رؤيةً تحليليّةً لتصوير الواجب الكفائي، تعتمد على استقراء موارده وتنوّعها، ممّا يفتح أفقاً جديداً للمحاكمة بين المسالك المتقدّمة وتطبيقها على المصاديق الخارجيّة. فقد أفاد (أعلى الله مقامه) في تحقيقه:

إنّ للكفائيّ صوراً:

منها: ما لا يمكن له إلاّ فرد واحد، كقتل المرتدّ.

ومنها: ما يمكن، وحينئذ:

تارة: يكون المطلوب فيه فرداً من الطبيعة، وأخرى: يكون صرف وجودها.

فعلى الأوّل: إمّا أن يكون الفرد الآخر مبغوضاً، أو لا يكون مبغوضاً ولا مطلوباً.[4]

وتأسيساً على هذا التحقيق، ينحلّ الواجب الكفائي إلى الأقسام التالية:

1- ما لا يقبل التكرار: وهو الفعل الذي لا يمكن تحقّقه في الخارج إلا مرّةً واحدةً نسبةً إلى موضوعه، كقتل المرتدّ. فإنّه إذا قُتل، انتفى الموضوع واستحال تكرار القتل.

2- ما يقبل التكرار: كالصلاة على الميّت ونظائرها، وهذا بدوره ينقسم إلى صورتين:

‌أ. أن يكون المطلوب «فرداً واحداً من الطبيعة» لا غير. وحينئذٍ، فإنّ الأفراد الزائدة (التي يأتي بها الآخرون) إمّا أن تكون مبغوضةً للمولى، وإمّا أن تكون لا مبغوضة ولا مطلوبة (لغو).

‌ب. أن يكون المطلوب «صرف وجود الطبيعة»، بمعنى أنّ كلّ فردٍ من أفراد الطبيعة يقع مصداقاً للمطلوب، ويحققّ نحو فاعليّة في الغرض.

وعلى ضوء هذه التقسيمات الدقيقة، يُتاح لنا أن نطرح التساؤلات المحوريّة التالية للمقارنة بين المسالك: في أيّ صورة من هذه الصور ينسجم مسلك المحقّق النائيني والسيّد الخوئي (إرجاع الواجب إلى صرف وجود المكلّف أو الواحد لا بعينه) مع الارتكاز العرفي والنصوص الشرعيّة؟ وفي أيّها يمتلك مسلك المحقّق البروجردي (الوجوب الاستغراقي على الجميع المتعلّق بصرف وجود الطبيعة) القابليّة الأتمّ على تفسير الظواهر الفقهيّة، كامتثال الجميع دفعةً، وسقوط التكليف، واستحقاق الثواب والعقاب؟ إنّ هذه التساؤلات تمثّل المدخل الرئيس للمقارنة النهائيّة والانتخاب بين المسالك في تحليل حقيقة الواجب الكفائي.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

------------------------
[1]- ‏فاضل موحدی لنکرانی، محمد، «اصول فقه شیعه»، با محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ج 5، ص 196.
[2]- ‏حسینی میلانی، علی، «تحقیق الأصول علی ضوء أبحاث آیة الله العظمی الوحید الخراساني مد ظله»، ج 3، ص 356-357.
[3]- ‏فاضل موحدی لنکرانی، اصول فقه شیعه، ج 5، ص 196-197.
[4]- ‏خمینی، روح الله، «مناهج الوصول إلى علم الأصول‏»، ج 2، ص 93-94.

--------------------------
المصادر
- حسینی میلانی، علی، تحقیق الأصول علی ضوء أبحاث آیة الله العظمی الوحید الخراساني مد ظله، ۹ ج، قم، مرکز الحقائق الإسلامیة، 1428.
- خمینی، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول‏، ۲ ج، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
- فاضل موحدی لنکرانی، محمد، اصول فقه شیعه، محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی، ۱۰ ج، قم، مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1381.


الملصقات :

صرف الوجود وحدة الغرض تعدّد الوجوب الواجب العيني الواجب الكفائي التكوين التشريع المكلَّف المباشرة الطبيعة المطلقة المكلَّف به الطبيعة المقيَّدة

نظری ثبت نشده است .